الغزالي

411

مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب

86 - باب : في الضحك والبكاء واللباس قال بعض المفسرين في قوله تعالى : أَ فَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ أي القرآن تَعْجَبُونَ منه تكذيبا وَتَضْحَكُونَ منه استهزاء ، مع كونه من عند اللّه تعالى وَلا تَبْكُونَ خوفا وانزجارا لما فيه من الوعيد وَأَنْتُمْ سامِدُونَ « 1 » لاهون غافلون عما يطلب منكم . قال : لما نزلت هذه الآية ، فما ضحك النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بعد ذلك ، إلا أن يبتسم . وفي لفظ : فما رئي النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ضاحكا ولا مبتسما ، حتى ذهب من الدنيا . وعن ابن عمر رضي اللّه عنه قال : خرج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ذات يوم من المسجد ، فإذا قوم يتحدثون ويضحكون . فوقف وسلّم عليهم ، ثم قال : « أكثروا ذكر هاذم اللّذات » « 2 » ثم خرج بعد ذلك مرة أخرى ، فإذا قوم يضحكون فقال : « أما والذي نفسي بيده ، لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ، ولبكيتم كثيرا » . ولما أراد الخضر أن يفارق موسى عليهما السلام قال له : عظني ، قال له : يا موسى إياك واللجاجة « 3 » ، ولا تمش بغير حاجة ، ولا تضحك من غير عجب ، ولا تعيّر الخطّائين بخطاياهم ، وابك على خطيئتك . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « كثرة الضحك تميت القلب » . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « من ضحك لشبابه بكى لهرمه ، ومن ضحك لغناه بكى لفقره ، ومن ضحك لحياته بكى لموته » . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « اقرؤا القرآن وابكوا ، فإن لم تبكوا فتباكوا » . وعن الحسن في قوله تعالى : فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا أي : في الدنيا وَلْيَبْكُوا كَثِيراً « 4 »

--> ( 1 ) سورة النجم ، الآية : 59 - 61 . ( 2 ) أي الموت . ( 3 ) اللجاجة : ارتفاع الأصوات والصخب . ( 4 ) سورة التوبة ، الآية : 82 .